مقالة : المقامة الرّمضانيّة $$ بقلم أ / منير صويدي
المقامة الرّمضانيّة..
*************
حدّث حنظلة قال:
حلّ شهر رمضان.. فاستبشر بقدومه الإنس والجان.. وتجلّت مظاهر التّوبة على بني الإنسان.. وارتفعت أصوات المآذن بالدّعاء والتّسبيح وتلاوة القرآن..
وبينما أنا أتنعّم بفضائل شهر القيام.. وأتمعّن خيراته على كلّ الأنام.. وأجوب الشوارع والأسواق، لشراء ما تشتهيه الأنفس وتستسيغه الأذواق.. إذ بجمع من السّابلة يتجمهرون حول بائع خضر وغلال.. ويتهافتون على ما لذّ منها وطاب ، ويدفعون للتّاجر ما يطلبه من أموال..
أخذني الفضول لاكتشاف السرّ، فبقيت مزبهلاّ أمام جشع البشر.. ثم تقدّمت نحوه وملـأت السلة، وأنا منزعج من هذه التصرفات المملّة.. وتسلّلت دون أن أدفع مالا.. وصاحب المحلّ يملأ الساحة حشرجة وسعالا، لفرط صراخه في مدح البضاعة.
عدت أسارع الخطوَ بهذا الصّيد الثمين، فتحلّق الأبناء حولي فرحين مسرورين. يأكلون الغلال شاكرين الله على تحسّن الأحوال، ونعمة الرّزق الحلال..
وما هي إلاّ لحظات حتى أصيبوا بألم في الأمعاء، وازداد أنينهم مستفسرين عن سبب هذا الداء، فاتجهنا إلى المشفى في الحين.. فإذا هو مكتظ بالمرضى والمهمومين.. وبعد فحوصات وتحاليل أخبرونا كونهم مسمومين شأنهم شأن بقية الزائرين، بسبب غلال منتشرة في الأسواق، يبيعها التجار دون إشفاق، وتتضرّر منها طبقة الكادحين والمساكين..
وبانتهاء العلاج وتجاوز مرحلة الخطر، قصدت المسجد على عجل، فوجدته مكتظا بالمصلّين.. وعلى يمين الإمام رجل منهمك في التعبّد والاستغفار، وصوته يدوّي بالمدائح والأذكار، و وجهه تتهلّل منه لآلئ وأنوار.. غبطته في التوبة، وتمنّيت أن أتزهد مثله، وعلى يديه تكون الأوْبَـة.. اقتربت منه طالبا النّصيحة، فتجاهلني وتسلّل نحو الباب خوفا من الفضيحة... تأمّلته، فإذا هو صاحب الغلال المسمومة، فقلت بنبرة حيْـرى ونفس مهمومة:
هذا الزّمان دوّار غدّار..
تعبّدٌ بالليل، ونفاق بالنّهار..
يخادعون الله، ويعبدون الدّينار...
والسويّ بينهم، تتقاذفه الأقـدار..
*********
منير صويدي
0 التعليقات:
إرسال تعليق